واستيقظ.. الوحش

كانت كارما في منتصف الثلاثينيات من عمرها، لكن ملامحها تبدو أكبر من سنّها بقليل. تحت عينيها دوائر داكنة كأنها تشي بالظلام الذي تعيشه في داخلها، وعلى وجهها شحوبٌ لا تخفيه محاولاتها المستمرة للابتسام ولا مساحيق التجميل. ولم يكن شعرها أفضل حالًا من ملامحها المنهكة، فقد كان مربوطًا بإهمال خلف رأسها، وثوب التمريض الذي ترتديه بدا كأنه يحمل تعب أيامٍ طويلة لا يومٍ واحد.
كانت تعمل ممرضة في «مستشفى الضاحية»، مستشفى صغير متواضع في أطراف المدينة، بعيد عن منزلها. تراها منذ الصباح تتنقل بين المرضى، تحمل الأدوية، وتساعد كبار السن، وتركض كلما احتاج أحدهم إليها، ثم تبقى لمناوبة الليل؛ مناوبتان في اليوم الواحد.
وحين انتهت مناوبتها الثانية تلك الليلة كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. اقتربت منها زميلتها منال وهي تخلع قفازيها، ونظرت إليها بشفقة وقالت:
منال— كارما، إلى متى ستظلين هكذا؟
رفعت كارما عينيها إليها متسائلة:
كارما— ماذا تقصدين؟ لا أفهم.
منال— تعملين ليل نهار، وتنامين ساعات قليلة، وتأكلين على عجل. حتى ولداك لم يعد لك وقت كافٍ معهما، وحتى نفسك تهملينها.
ابتسمت كارما ابتسامة باهتة، وأخذت حقيبتها استعدادًا للانصراف وهي تغمغم:
كارما— وماذا أفعل؟
منال— ارتاحي قليلًا. ابحثي عن عمل أقرب، أو خففي ساعات العمل على الأقل.
سكتت كارما لحظات، ثم قالت بحزن:
كارما— منذ أن هجرني زوجي وانفصلنا، اعتبر أنه لم يعد مسؤولًا عنا، ولم يعد ينفق على ولديه؛ لذا كما تعلمين أنا مضطرة لقبول ذلك العمل وخاصة أنه ليس لديّ شهادة جامعية كبيرة تؤهلني لاختيار عمل أفضل من ذلك.
ثم خفضت عينيها إلى الأرض وأكملت:
كارما— لم يعد لنا مصدر دخل ثابت. أنا لا أعمل لأنني أحب أن أعيش هكذا، أنا أعمل لأن لي طفلين ينتظرانني في المنزل، ولهما احتياجات يجب أن أوفيها. ولولا أن جارتي الخالة صفية تبيت معهما في ليالي المناوبة لما استطعت حتى هذا.
تنهدت منال قبل أن تقول في إشفاق واضح:
منال— لكنك ستنهارين يومًا ما.
ابتسمت كارما ابتسامة صغيرة، وقالت:
كارما— ربما... لكن ليس الآن على الأقل، فما زلت أستطيع الوقوف على قدميّ.
ثم غمغمت كأنها تحدّث نفسها:
كارما— وحتى الانهيار رفاهية لا أملكها.
وحملت حقيبتها وغادرت.
بعد قليل...
خرجت كارما من بوابة المستشفى، وكان الليل قد ابتلع المدينة تقريبًا، والهواء باردًا على غير المعتاد. توقفت أمام سيارتها القديمة، وأخرجت المفتاح بصعوبة من حقيبتها، ثم فتحت الباب وألقت بجسدها على المقعد خلف عجلة القيادة. أخذت بعض المناديل لتمسح دموعًا نزلت على وجنتيها دون استئذان، ثم ألقت برأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها.

لم تفعل شيئًا. جلست فقط، كأن جسدها أعلن أخيرًا أنه لم يعد قادرًا على حمل المزيد.
أخرجت هاتفها ونظرت إلى صورة طفليها على شاشة القفل، فابتسمت وقالت:
كارما— كم أفتقدكما يا صغيريّ!
ثم فتحت تطبيق الرسائل، فرأت رسالة قديمة منهما:
«ماما، متى ستعودين؟»
تعلقت عيناها بالكلمات الثلاث طويلًا، ثم همست:
كارما— قريبًا... إن شاء الله.
وضعت الهاتف جانبًا وأدارت المحرك، فصدر منه صوت خشن، ثم تحركت السيارة متثاقلة.
كان الطريق طويلًا، طويلًا إلى درجة أنها حفظت كل منعطف فيه. لكنها في تلك الليلة كانت شديدة الإرهاق، فلم تنتبه إلى أنها انعطفت في غير موضعها، وأن الطريق الذي تسلكه بدأ يخلو شيئًا فشيئًا من أضواء المدينة. اختفت المباني، ثم المحال، ثم أعمدة الإنارة، وبقي الطريق وحده شريطًا أسود طويلًا يمتد أمامها.
ثم نظرت إلى الساعة، ثم إلى الطريق، قبل أن تغمغم قائلة:
كارما— غريب... أول مرة ألاحظ ذلك الطريق، إنه مظلم على غير عادة سائر الطرق.
ثم أدركت أين هي. إنه «طريق الترعة القديم»، لم تكن تعرفه إلا بالاسم: طريق مهجور يحاذي «غابة الكافور»، تلك التي يتجنب أهل الأطراف المرور بها ليلًا. لم تحب أن تكون فيه في مثل هذه الساعة، لكنّ العودة تعني نصف ساعة أخرى، وهي تريد أن تصل إلى منزلها بأسرع وقت.
ثم سعل المحرك مرتين، وتوقفت السيارة.
كارما— ماذا؟
حاولت تشغيلها مرة أخرى.
«تك... تك... تك.»
لا شيء.
حاولت مرة ثانية، ثم ثالثة، لكن المحرك رفض أن يستجيب. ضربت عجلة القيادة بيدها في ضيق:
كارما— أرجوكِ، ليس الآن! ليس الآن...
نظرت حولها. لا أضواء، لا سيارات، لا بيوت. أخرجت هاتفها وحاولت الاتصال، ثم حدّقت في الشاشة وقالت بسخط:
كارما— لا توجد شبكة.
رفعت الهاتف إلى أعلى، ثم إلى النافذة، ثم خرجت من السيارة ورفعته في الهواء.

لا شيء أيضًا. ابتلعت ريقها بصعوبة وقد بدأ القلق يتسلل إلى صدرها.
كان أمامها خياران: أن تبقى داخل السيارة حتى تمر بها سيارة عابرة، وهذا غير مضمون في تلك الساعة على طريق مهجور كهذا، أو أن تمشي قليلًا لعلها تجد بيتًا قريبًا أو بقعة يلتقط فيها الهاتف إشارة. نظرت إلى جانبي الطريق. عن يمينها مجرى الترعة ساكنًا معتمًا، وعن يسارها شيء واحد يمتد بمحاذاة الطريق كله.
غابة الكافور.
أشجار عتيقة كثيفة، سوداء في الليل، تتشابك أغصانها وتمتد إلى عمق لا تبلغه العين.
ترددت كارما قليلًا، ثم نظرت إلى صورة طفليها في هاتفها وهمست:
كارما— لا بد أنهما قلقان الآن. عليّ أن أعود إليهما بأسرع وقت.
حسمت أمرها. أغلقت السيارة وأخذت حقيبتها وهاتفها، وبدأت تسير على جانب الطريق وهي ترفع الهاتف كل بضع خطوات. كانت خطواتها مترددة، ولم تبتعد كثيرًا حتى وجدت نفسها عند أول الأشجار.
توقفت تتأمل المكان. كان الظلام داخل الغابة مختلفًا، أثقل وأكثر كثافة، كأن الأشجار تخفي شيئًا لا تريد لها أن تراه.
تراجعت خطوة، فسمعت خشخشة بين الأوراق اليابسة. التفتت بسرعة، فلم ترَ شيئًا. نادت:
كارما— هل هناك أحد؟
لم يجبها أحد، ثم سمعت صوتًا آخر خلفها.
اقتربت من مصدره بحذر، وفي اللحظة التي استدارت فيها...
انقضَّ عليها شيء من الظلام.

صرخت كارما صرخة مكتومة، وسقط هاتفها من يدها.
ألم حاد يمزق كتفها الأيسر.
عضّة!
دفعت الشيء عنها بكل قوتها وهي تصرخ، فابتعد لحظة واحدة. حاولت أن تتبينه وسط العتمة فلم تستطع؛ كان مجرد ظل سريع اختفى بين الأشجار.
جثت تلهث وتتحسس الأرض بحثًا عن هاتفها، وما إن وجدته حتى ركضت خارجة من الغابة عائدة إلى سيارتها. دخلتها وأوصدت الأبواب، وأدارت المفتاح بيد ترتجف. المحرك ما زال ميتًا.
وضعت يدها على كتفها، فقد كان الألم شديدًا، ثم نظرت إلى أصابعها وقد ابتلّت بشيء داكن دافئ، ثم إلى الظلام خلف الزجاج.
كارما— ما هذا؟!
لم يجبها أحد. سمعت صوتًا بعيدًا بين الأشجار كأنه زفير طويل، ثم ساد الصمت.
لم تعرف كم بقيت في مقعدها منكمشة، عيناها على حافة الغابة. دقائق أم ساعات؟ كان الوقت يذوب، وجسدها يزداد حرارة، حرارة كأن نارًا تسري في عروقها. وضعت يدها على جبينها وقالت في فزع:
كارما— إنها حمّى!
اضطربت الرؤية أمامها. الزجاج يتماوج، والطريق يتمدد، والأصوات تبتعد. رفعت يدها إلى فمها، وتوقفت.
شيء صلب يضغط على لثتها، كأن أنيابًا تنبت لها.
ألم حاد في أسنانها، ثم انتفاضة في جسدها كله. قلبها يخفق بعنف، وأنفاسها تتسارع، وغضب غريب يتصاعد في صدرها لا تعرف له مصدرًا. خوف، وتوتر، ورغبة في الصراخ، ورغبة أخرى في الهرب.
ثم سمعت صوتًا بعيدًا كأنه محرك سيارة. رفعت رأسها فرأت في المرآة ضوءين صغيرين يقتربان. دفعت الباب وخرجت تترنح إلى وسط الطريق، وحاولت أن تلوّح بيدها، لكن ذراعها لم تستجب.
كان الليل قد بدأ ينسحب، وفي الأفق خيطٌ ذهبي ضعيف يشق سواده.
نظرت كارما إلى السيارة القادمة، ثم إلى السماء، وتهاوت على الإسفلت المبتل. وقبل أن تفقد وعيها تمامًا رأت رجلًا ينزل من السيارة ويقترب منها،

وسمعت في رأسها المحموم همسًا لا تدري أهو منها أم من الغابة:
«لقد بدأت... الرحلة.»
ثم أظلم كل شيء.